سعيد حوي
3745
الأساس في التفسير
يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللَّهُ ( المنافقون : 4 ) فإذا كان هؤلاء المنافقون الذين تعجب الناظر أجسامهم ؛ لما فيهم من البهاء والرواء والزينة الظاهرة ، وليسوا ممن ينظر إليه لشهوة قد ذكر الله عنهم ما ذكر ، فكيف بمن ينظر إليه لشهوة ، وذلك أن الإنسان قد ينظر إليه لما فيه من الإيمان والتقوى ، وهنا الاعتبار بقلبه وعمله لا بصورته ، وقد ينظر إليه لما فيه من الصورة الدالة على المصور ، فهذا حسن ، وقد ينظر إليه من جهة استحسان خلقه كما ينظر إلى الخيل والبهائم . وكما ينظر إلى الأشجار والأنهار والأزهار ، فهذا أيضا إذا كان على وجه استحسان الدنيا والرئاسة والمال فهو مذموم . بقوله وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وأما إن كان على وجه لا ينقص الدين ، وإنما فيه راحة النفس فقط ، كالنظر إلى الأزهار فهذا من الباطل الذي لا يستعان به على الحق . وكل قسم من هذه الأقسام متى كان معه شهوة كان حراما بلا ريب ، سواء كانت شهوة تمتع النظر بالشهوة ، أو كان نظرا بشهوة الوطء ، وفرق بين ما يجده الإنسان عند نظره إلى النسوان والمردان ، فلهذا الفرقان افترق الحكم الشرعي ، فصار النظر إلى المردان ثلاثة أقسام : أحدها ما تقترن به الشهوة ، فهو محرم بالاتفاق ، والثاني ما يجزم أنه لا شهوة معه ، كنظر الرجل الورع إلى ابنه الحسن ، وابنته الحسنة ، وأمه الحسنة ، فهذا لا تقترن به شهوة ، إلا أن يكون الرجل من أفجر الناس ، ومتى اقترن به الشهوة حرم . وعلى هذا نظر من لا يميل قلبه إلى المردان ، كما كان الصحابة ، وكالأمم الذين لا يعرفون هذه الفاحشة ، فإن الواحد من هؤلاء لا يفرق من هذا الوجه بين نظره إلى ابنه وابن جاره وصبي أجنبي ، لا يخطر بقلبه شئ من الشهوة ، لأنه لم يعتد ذلك ، وهو سليم القلب من قبل ذلك ، وقد كانت الإماء على عهد الصحابة يمشين في الطرقات متكشفات الرؤوس ، ويخدمن من الرجال مع سلامة القلوب ، فلو أراد الرجل أن يترك الإماء التركيات الحسان يمشين بين الناس في مثل هذه البلاد والأوقات ، كما كان أولئك الإماء يمشين ، كان هذا من باب الفساد ، وكذلك المرد الحسان لا يصلح أن يخرجوا في الأمكنة والأزقة التي يخاف فيها الفتنة بهم ، إلا بقدر الحاجة ، فلا يمكن الأمرد الحسن من التبرج ، ولا من الجلوس في الحمام بين الأجانب ، ولا من رقصه بين الرجال ، ونحو ذلك مما فيه فتنة للناس ، وهو النظر إليه كذلك .